الاثنين، 7 نوفمبر، 2011

يا أبتِ افعل ما تُؤمر



تجمعت العائلة في الباحة الأمامية للمنزل لتشهد مراسم الذبح. كان الطقس جميلا للغاية، السماء زرقاء صافية، الجو رطب والشمس تُلقي بأشعتها الخريفية اللطيفة مداعبة الوجوه وباعثة الدفء في القلوب. فكأن الطبيعة تزينت واخضرت لتشارك المسلمين فرحتهم بعيد الأضحى العظيم. تقدم رؤوف وقد حدّ شفرته، ثم انحنى على الكبش وبحركة سريعة ذبحه فكانت المفاجأة.. لم أكن أطيق ذاك المنظر ولولا ثواب رؤية القطرات الأولى من الدم لما تقدمتُ أكثر..

وعنْ عائِشةَ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عمَلاً أحَبَّ إلى اللهِ - عز وجل - مِنْ هراقةِ دَمٍ، وإنَّهُ ليَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ بِقُرُونِها وأظْلافِها وأشْعارِها، وإنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِن اللهِ - عز وجل - بِمَكانٍ قَبْلَ أنْ يَقَعَ على الأرْضِ، فَطِيبُوا بِها نَفْسًا))؛ الترمذي وابن ماجه.

كان المشهد رهيبا.. رفع الكبش رأسه عن الأرض واستوى جالسا في حين كان الدم ينهمر من رقبته شلالا متدفقا.. لم يكن وجهه يوحي بأي شيء، كأنه سليم معافى يرعى العشب! وماهي إلا لحظات حتى أغمض عينيه وخرّ على الأرض وقد فُكّ وثاقه. ثم بدأ يُصدر ذاك الصوت .. نوع من الشخير ورعشة اهتز لها جسمه ... وبعد لحظات سكن كل شيء ومات.

كنت أحمل ابنة أختي ذات العامين، فأشارت بإصبعها الصغير إلى الضحية وهمست : "أُخ ماء" ورغم هيبة المشهد لم أتمالك نفسي من الضحك .. بل هي الدماء .. فسبحان الذي سخر لنا هذا من غير حول لنا ولا قوة...

"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً " الإسراء 70.

سبحان العلي الكريم الذي فدى عبده إسماعيل بذبح عظيم ويا لها من سُنة طيبة وعطاء جسيم، أن نسير على خُطى إبراهيم الخليل في إنابته واستقامته وخُلقه العظيم. فهذا ابنه إسماعيل وفلذة كبده، رزقه الله إياه على الكبر ثم أمره بتركه وأمه عند واد غير ذي زرع ومرت السنين الطوال، "فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ" الصافات 102.

فيا للانصياع التام لأوامر الله والتسليم، ويا لبر الولد بأبيه وتوكله وصبره على البلاء العظيم وسبحان الرحمان الرحيم .. يا له من امتحان نجح فيه الخليل ليكون أُسوة للعالمين فأين أنتم من هذا يا مسلمين؟

الله لم يأمرنا بذبح أبنائنا بل فقط أمرنا بالصلاة والزكاة ومكارم الأخلاق، أمرك يا أختي بالحجاب، أمرك أخي بغض البصر، بإكرام الضيف وبالإنفاق، أمرنا ببر الوالدين والإحسان إلى الجار، أمور كلها هينة لينة فلم التخاذل والاستهتار؟ لماذا نتجرأ على محارم الجبار ونطأطئ رؤوسنا لشهواتنا ونركن للذل والانكسار ؟

 لقد شرع لنا ربنا هذا العيد العظيم ليذكرنا بتسليم الخليل وتوكله وصبر إسماعيل وتبتُله وماهو الإسلام إن لم يكن التسليم بأمر العزيز الجليل الذي ما خلقنا إلا لنعبده، وماهي الأضحية إن لم تكن قربانا إلى الله نعلن به إذعاننا وندخل به السرور على أهلنا وأحبابنا ونطعم منها الفقراء والمساكين ونقوم بحق الضيف وكلنا يقين .. بأن أمر الله لا يُرد ومسكين من أعرض عنه مسكين ..

"وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا" الأحزاب 36.

الحمد لله على نعمة العيد أعاده الله علينا باليمن والخير والبركة

قال تعالى : "وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ" (الحج: 36، 37)

الخميس، 3 نوفمبر، 2011

... وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى




كانت تمشي وحيدة، تتوقّف أمام واجهات المحلّات، تتأمّل الملابس المعروضة، تتنهّد ثمّ تمضي ... لم يكن لديها المال الكافي كي تبتاع كلّ تلك الأشياء الفاخرة، أنهت دراستها و منذ سنوات و هي عاطلة عن العمل ، لا تستطيع أن تعين عائلتها البسيطة ... واصلت طريقها و هي تفكّر : لو أنّي كنت ثريّة لآشتريت ذاك الفستان .. و تلك الحقيبة الثّمينة ... لكن هيهات ...

يقول الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم: "قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقَنَّعه اللّه بما آتاه" ( رواه مسلم )

و عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ :لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ. ( أخرجه أحمد والبُخاري والترمذي)

قطع حبل أفكارها صوت مألوف يناديها ، التفتت فإذا هي صديقة الطّفولة : رائدة ! يا لها من مفاجأة !
لم تسرّها كثيرا رؤيتها ، لطالما كانت صديقاتهما يفضّلنها عليها ... ابتسمت ببرود و حيّتها ، فاحتضنتها رائدة و سألتها عن أحوالها بكلّ حفاوة :"كيف حالك عزيزتي؟  كم اشتقت إليك ! أرى أنّك لم تتغيّري ! دائما تفكّرين... يا عبقريّة ! "

ابتسمت على مضض، هي تحبّها "رغم كل شيء"، لكن مزاجها لم يكن يسمح لها أن ترد بمثل ذلك اللّين و الدّعابة : أنا بخير ... و أنت ماذا تفعلين هنا؟ 
ـ أتيت لأقتني بعض الحاجيّات، و الملابس ... آه ! كم هي شاقّة تحضيرات الزّفاف ! 
 
أحسّت بضيق يخالج صدرها، و تتالت الأفكار في ذهنها : لِم يحدث هذا لي ؟! لِم تحصل هي على كلّ شيء و أنا لا ! هي جميلة جدّا، ثريّة جدّا، أنيقة، متفوّقة في دراستها، متميّزة في عملها، و الآن ستتزوّج ! 
 
ـ أرى أّنّك متعبة، لن أثقل كاهلك بمشاغلي. سأعودك إن شاء اللّه قريبا و أدعوك و عائلتك لحفل الزّفاف ... سنتحدّث حينها أكثر و ستُعدّين لي قهوتك اللّذيذة . و الآن أستأذنك لأنصرف، والدتي تنتظرني في السّيّارة. السّلام عليكم ! 
همهمت مرتبكة : حسنا، لا بأس ... مبارك عليك الزفاف ... إلى اللقاء ...
واصلت سيرها هائمة ، استرجعت تلك المحادثة القصيرة و سرعان ما تفطّنت لهول ما ... أحسّت ! 
الحسد ! مرض يستفحل في قلب عشّاق الدّنيا فيصعب منه الشّفاء و نار تتأجّج في وجدانهم فتُصيّر عملهم هباء !


قال تعالى : " أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ" ( سورة النّساء، الآية 54 )

قال تعالى : وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (طه 131)


وعن أنس بن مالك رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال :" لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد اللّه إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث " (رواه مسلم)

و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم :" لا يزال النّاس بخير ما لم يتحاسدوا " (رواه الطبراني)
 
يقول الإمام السّمرقندي في كتابه " تنبيه الغافلين" : ليس شيء من الشّرّ أضرّ من الحسد، لأنه يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل إلى المحسود مكروه: 
* أوّلها : غمّ لا ينقطع
* و الثّاني : مصيبة لا يُؤجر عليها
* و الثّالث : مذمّة لا يُحمد بها
* و الّرابع : يسخط عليه الرّبّ  
* و الخامس : تُغلَق عليه أبواب التّوفيق
 
ثم يضيف في نفس الباب : 
 
بارز الحاسد ربّه من خمسة أوجه : 
* أوّلها : قد أبغض كل نعمة قد ظهرت على غيره.
* و الثّاني : سخط لقسمته.
* و الثّالث : أنّه ظن بفضله.
* و الّرابع : خذل وليّ اللّه تعالى لأنّه يريد خذلانه و زوال النعمة عنه.
* و الخامس : أعان عدوّه، يعني إبليس لعنه اللّه .

تنفسّت بهدوء ، و أخذت تستغفر اللّه ، و تدعو لصديقتها و لنفسها : اللّهمّ طهّر قلبي و اشفه من كلّ مرض ، اللّهمّ ارزقني ممّا رزقت رائدة !
 
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:مَنْ يَأْخُذُ مِنْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ ، فَيَعْمَلُ بِهِنَّ ، أَوْ يُعَلِّمُهُنَّ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ ؟ قَالَ : قُلْتُ : أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ : فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّهُنَّ فِيهَا ، ثُمَّ قَالَ : اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا ، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا ، وَلاَ تُكْثِرِ الضَّحِكَ ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ.(أخرجه أحمد والترمذي و غيرهما)