الأحد، 7 يوليو، 2013

دموع كالجبال




 يبدأ يومها عندما يرن المنبه بضع دقائق قبل الأذان. تهب من نومها، تسارع بالوضوء وتقف بين يدي الرحمان
وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى

تناجي ربها، تدعوه وتستعين به على يومها، وكثيرا ما يحز في نفسها أنها لا تستطيع أن تطيل الوقت، أن تمد الدقائق إلى ساعات، ما أجمل اللحظات وما أروعها من نفحات. كم تحب أن تقوم الليل بما حفظته حديثا من قرآن وكم صارت تتمتع بقرائته بعد أن بدأت في تعلم التجويد، أصبح لحياتها طعم آخر منذ أن التحقت بدار القرآن الكريم. هي الآن في السنة الثانية وقد وجدت نفسها مع مجموعة من الفتيات اللاتي درسن معا السنة الماضية ومنذ اللحظة الأولى أحست بالفرق بينها وبينهن حين استمعت لتجويدهن. لكنها حمدت الله وآلت على نفسها أن تفعل كل ما بوسعها لتلتحق بالركب

يبدأ يومها عندما يرن المنبه.. تصلي، ثم تأكل بضع لقيمات وتهرع إلى العمل. تسع ساعات تقضيها أمام آلة الخياطة، يداها تشتغلان لتحصيل قوت الدنيا وشفتاها تعملان على تحصيل قوت الآخرة. تقرأ الآية وتعيدها مرات ومرات، تعلقها نصب عينيها ولا تفتأ تبدأ وتعيد، تكرر وتزيد..

أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ


يجب عليها أن تحفظ وردها، أن تتقن تلاوة سورة الزمر، يجب ألا تخذل معلمتها التي ما فتأت تشجعها. ورغم تعثرها في بعض الآيات، رغم أخطائها في شكل الحروف، رغم طول ساعات العمل إلا أنها مازالت تتشبث بحبل أمل، وكل يوم أحد تجلس في مجلس علم مبارك تتعلم القرآن، تتعرف على مخارج الحروف وصفاتها، تقرأ أمام معلمتها وتضحك من هفواتها

وجاءت نتائج السداسي الأول ووزعت شهادات الامتياز ودرجات الاستحسان، فهذه أحرزت معدلا ممتازا وتلك متوسطا أما هي فبالكاد حصلت ما يخول لها المرور إلى السنة التالية. وسرعان ما سالت العبرات على وجنتيها، أطرقت باكية وخبأت وجهها بين كفيها. لا تبكي أنت أفضل واحدة فينا يا مروى، أنت تبذلين أضعاف أضعاف جهودنا، أنت تستحقين كل احترام وتقدير

وقلت في نفسي هنيئا لها، أليس من الأفضل أن تكون طالبا ضعيف النتائج منكسر القلب على أن تكون طالبا ممتازا مزهوا  ومغترا بنفسه قد شاب عمله الرياء؟ هنيئا لها بهذه الدموع فهي دموع كالجبال، دموع علها تقيها من حر يوم القيامة، هنيئا لمن يبكي لأنه لا يحسن التجويد، هنيئا لمن يبكي غيرة على أن يسبقه إلى الله أحد، هنيئا لمن تبكي لأنها لا تتقن حرف الضاد، هنيئا لمن تسكب الدموع لأنها تنسى ما حفظته رغم جهودها، هنيئا لمن لا عزاء لها لأن صلاة الفجر قد فاتتها، فغيرها تبكي لأن بطل المسلسل قد مات أو لأن مغنيها المفضل قد استبعد من المسابقة، غيرها تبكي حسدا وتذهب نفسها حسرات على حطام الدنيا الفانية، دموع أهون على الله من الماء الذي يسقيه للكافر، بل هي دموع آثمة

 أما دموع مروى فهي إن شاء الله يوم القيامة كالجبال الراسيات، جبال من الحسنات، أرجو أن تبلغها في الجنة أعلى الدرجات حتى وإن لم تتم حفظ القرآن وتعلمه، فكم من قارئ للقرآن وهو يلعنه


يبدأ يومها عندما يرن المنبه .. تشغل آلة الخياطة، تعلق نصب عينيها الآية وتردد

وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ

الاثنين، 14 يناير، 2013

مخيمات الموت..دعوة للفعل لا للبكاء!



بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
***************************
أعتذر من أخواتي المشرفات أن كتبت هنا دون استئذان هذه المرة ..لكن الضرورة تقتضي فالوقت يمضي

 *****
"إذا تألم جزء من الأمة ولم تستنفر بقية الأجزاء نصرة له، فإن جسد الأمة ميّت أو مخدّر"
ففي الحديث: (المؤمنون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله)
عبد العزيز الطريفي




=========================================

أخي المسلم، أختي المسلمة، من تونس أو في أيّ بلد كنت..

انظر لحالك ونعيمك: دفء ومأكل ومشرب وأمن وأمان.. وانظر لحال إخوتنا السوريين: قتل وتنيكل وانتهاك أعراض وهرب وخوف وموت في الخيام تحت الثلوج !
أنظر لحالهم في هذا التقرير المصوّر المدمي للقلوب:


أما آن لك أن تساهم عمليّا بدل بعض الحزن، وبعض الأسى، ودمعتين سريعا ما تنشفان مع مشاغل الحياة..
هل فكرت بالتبرع لـ #حملة_بدلها_بكرافان ؟

حملة نشر إعلانها الشيخ المحدّث عبد العزيز بن مرزوق الطريفي وقال حفظه الله وسدّده: "أهل الشام في شدة وهذه حملة إغاثية يقوم عليها أهل ديانة وأمانة، وتفريج كرب الدنيا سعة لمضايق الآخرة"

وفي الحديث "من فرَّج عن أخيهِ كُربةً من كُرَبِ الدنيا فرَّج اللهُ عنه كُربةً من كُرَبِ يومِ القيامةِ"
 جعلني الله وإيّاكم منهم.

بالله استعنّا وعليه توكّلنا
------------------------------ --------------------------------
للتحويل لحملة ( بدلها بكرفان)  يُرجى التحويل لـ:
--------------------------------------------------------------
جمعية الكتاب والسنة
البنك الاسلامي الاردني
فرع حي نزال
آيبان: 0232111010015155001
سويفت كود: jibajoamxxx

****************************** ********
سعر الكرفان الواحد ٩٠٠٠ ريال سعودي
يكفي لأسرة واحدة،
يحق للأسرة اللاجئة أخذ الكرفان بعد انتهاء الأزمة
**************************************

بيانات الحساب باللغة الانجليزية:

Beneficiary's name: Al-ketab&al-sonna association
Bank: Jordan Islamic Bank
branch: HAI-NAZAL
IBAN : 0232111010015155001
swift : jibajoamxxx

رقم جوال مشرف مكتب (الجسد الواحد) الشيخ محمد الجمل:
00962787521852
--------------------------------------------------------------


قال تعالى في سورة الإنسان:
{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)
إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا (9)
إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10)
فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11)}


*********************
والحمد لله أوّلا وآخرا وصلّى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين

الاثنين، 9 يناير، 2012

تاج من نور


بنية صغيرة, شاهدت صديقتها تلبس تاجا
عادت لمنزلها
طلبت من والدتها أن تشتري لها مثله, ليس مثله بل المهم أن يكون تاجا و لو بلاستيكيا..
تاج؟؟ احتارت الأم من أين ستأتي لابنتها بما تتمنى
ثم ألبستها تاجا و سألتها:
- ما رأيك بتاج تفوح منه رائحة الزهور؟
- لكنه يا أمي لن يدوم, فغدا تذبل الزهور
- ما من شيء يدوم يا ابنتي إلا وجه ربك الودود الغفور.
...
كبرت البنية, و لم تعد تحلم بأشياء غدا يمكن أن تزول.
 ✿✿✿✿✿

أمها تحب أن تنام بجانبها دوما أما هي فكم يرتاح بالها حين تكون حذوها تراقب أنفاسها و هي تسبح.

مع انشغالها طول النهار لا تجد وقتا إلا ما بعد العاشرة ليلا لتجلس على سجادتها أو فوق فراشها تقرأ و تحفظ بعض الآيات.
غرفتها في زاوية بعيدة عن باقي أرجاء المنزل, و إذا أغلق بابها لا أحد يسمعها و لا تسمع الأصوات سوى القريبة جدا.
هي تحب أن تقرأ بصوت عال, لكن.. "أمي تنام بجانبي سوف أزعجها"

تقرأ بصوت منخفض, تنسى أحيانا فترفعه إما تأثرا و إما استبشارا بما فيه من معان..تتذكر أنيستها في الغرفة, فتغلق كتابها و تبكي من شدة شوقها... إلى أن تنام.
و ذلك نفس الحال تقريبا في كل الأيام..

 حتى فوجئت يوما بأمها تقول "هلا بدأت الحفظ يا بنية؟ اقرئي بصوت عال أريد أن أسمعك,
فإني في نعاسي أرى نفسي أرتل كما ترتلين كما أن حنان صوتك يشغلني عن أي تفكير...هلا قرأت يا بنية؟"
 - أماه.. أحقا ما تقولين؟؟
 - أجل بنيتي, هل أخبرك شيئا آخر؟
البارحة قبل الفجر بقليل حلمت بأنك مددت يدك إلى السماء لتقولي دعاءا بما معناه أن يدخلني ربي الجنة,  فتحت عيني فما وجدتك جنبي فأيقنت أنني أحلم
 - ليس حلما يا أمي, بل إني أدعو دوما أن يكتبك الله سيدة من سيدات أهل الجنة
- أجل هو ذاك نفس الدعاء الذي سمعته على لسانك في المنام...جزاك الله خيرا يا بنية..

فرحت الأم بالدعاء, ابتسمت البنية و كتمت النصف الثاني من الهدية.

  ✿✿✿✿✿
أن تكون أمها سيدة من سيدات الجنة و أن يلبسها الرحمن تاجا من نور فتنزعه من فوق رأسها و تضعه تاجا على جبين والدتها... تاج من نور بدل ذلك التاج الذي صُنِع من زهور.. لايزال ذلك رجاء تلك البنية.
 ✿✿✿✿✿

أخرج الحاكم في المستدرك عن بريده رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: "من قرأ القرآن وتعلمه وعمل به أُلبس يوم القيامة تاجاً من نور ضوؤه مثل ضوء الشمس، ويكسى والداه حلتين لا تقوم بهما الدنيا، فيقولان: بم كسينا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن". وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم.
 
و أخرج الإمام أحمد في المسند وأبو داود في السنن والحاكم في المستدرك عن معاذ بن أنس الجهني أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: "من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس والداه تاجاً يوم القيامة ضوؤه مثل ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيكم، فما ظنكم بالذي عمل بهذا".

الجمعة، 16 ديسمبر، 2011

نقطة تحول




تناولتُ القلم

كثيرة هي الأفكار بمخيلتي, من أين سأبدأ؟
سهوت قليلا.. سقط القلم من يدي فرُسمت نقطة على الورقة ..

كانت سوداء..لكنها جميلة. و لو غيرت القلم لكانت زرقاء, حمراء, خضراء.. أو ربما بيضاء.
تأملت كامل الورقة, بالكاد تُرى.. وَرَّقْتُ الكراس, فضاعت النقطة.
كذلك هي لحظات الحياة, فيها المعتم ,و فيها الملون حسب الزاوية التي نظرنا منها.
 كذلك هي لحظات الحياة, كالنقطة: صغيرة في معناها ,بسيطة في محتواها.. لكنها يمكن أن تكون بداية لمسارات أو عناصر أساسية لجسور و ممرات.

رُسِمت على ورقتي البيضاء نقطة, و رُسِمت في حياتي عديد النقاط كانت نقاط تحول.. ربما لم أنتبه لمعظمها, لكني على الأقل أذكر أجملها..
أولها؟
كنت صغيرة حينها, تعلمت البسملة و كنت أحب و أفرح حين أتذكرها لوحدي: بسم الله حين آكل, بسم الله حين أشرب, بسم الله حين أدخل, بسم الله حين أخرجبسم الله .. بسم الله أحيا, و بسم الله تنعم حياتي..
لكني كنت أنساها كثيرا, و ببراءة طفولية كنت أجلس في زاوية لوحدي أردد البسملة عشرات المرات مكونة بذلك ما سميته "رصيدا احتياطيا", و حين أتعب أمد يدي للدعاء راجية من الله عز و جل أن كلما نسيتها في أحد أعمالي, أن يأخذ من رصيدي و يضعها في مكانها( أو بالأحرى زمانها) المرجو. واصلت على ذاك الحال حتى تعودت على تذكرها, لأني فعلا أدركت معناها و سر بركة الأعمال التي تليها..
*****
يقول الله عز وجل:  
"وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌّ" سورة هود 41

*****
أضحك الآن من سذاجة تفكيري, لكنها طريقة مميزة جعلتني أذكر الله في كل وقت و حين. لم أكن أُدرك الأشياء كما وجب إدراكها, و لم أكن أفقه فعلا معنى الخشوع و التدبر عند الذكر. ما كان يستحوذ على تفكيري حينها هو أن أقول أشياء تسر الله فهو يراني.
"ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله وبعده ومعه" علي بن أبي طالب
  رصيد احتياطي من البسملة, بعده كلفت نفسي برصيد يومي من الذكر و التسبيح, فرصيد من بعض الواجبات و الأعمال اليومية...كم هي جميلة تلك البراءة الطفولية و عبادة الله دون وجود أشياء تلهينا..

✿✿✿✿✿
رن الهاتف
- السلام عليكم, كيف الحال أخية
- الحمد لله, أسأل عنك فيم انشغالك لم تجيبي البارحة على رسائلنا اليومية؟؟
- أعتذر حبيبتينمت مبكرا البارحة فقد انشغلت طوال اليوم بتنظيف المنزل و غسل الستائر ثم فرش الأرضية
- و كأني بك تقولينها و أنت مبتهجة؟؟ كم أكره تلك الأشغال المنزلية
- ...
  
منذ صغري كنت أحب مساعدة أمي في أعمالها اليومية, لكني لم أتصور يوما أن لتلك الأعمال سر خاص.. 
سر اكتشفته من خلال آية قرآنية..
*****
يقول الله سبحانه و تعالى:
"تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا" الإسراء 44
*****

استوقفتني هذه الأية منذ أول وهلة.. "و إن من شيء إلا يسبح بحمده و لكن لا تفقهون تسبيحهم"
 بتفكير فتاة بسيطة أدركت وقتها أن لن أفقه تسبيح الأشياء من حولي. "وإن من شيء" ؟؟؟ كتبي, كراساتي, فراشي, ملابسي, الأشجار في حديقتنا , الزرابي و المفروشات, الأرضية و أيضا تلك الزوايا المنسية... ذاك كل ما استطاع عقلي الصغير استيعابه ..
 بسذاجة تفكير فتاة صغيرة صرت أحترم كل الأشياء من حولي, كنت أنظر لأغراضي مطولا و أدرك أنها تسبح بحمد ربها لكني في كل الأحوال لن أفقه تسبيحها.. أصبحت أحب العناية بكل الأغراض في المنزل, أحب ترتيبها, أحب تنظيفها .. صرت أحب الأشغال المنزلية التي تشتكي منها بعض النساء.. كيف لا و هي تسبح لربها بكرة و عشيا؟؟ صرت أحتسب العناية بتلك الأشياء من حولي فالله طيب و لا يقبل إلا طيبا (رواه مسلم)

و إن كنت فهمت الحديث في غير سياقه حينها, إلا أن تلك الأية كان لها أثر كبير في حياتي, بفضل ربي و لله الحمد..


ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال‏:‏ كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل‏‏ وفي حديث أبي ذر‏:‏ أن النبي صلى الله عليه و سلم أخذ في يده حصيات‏,‏ فسمع لهن تسبيح كطنين النحل‏‏ وكذا في يد أبي بكر وعمر وعثمان,‏ رضي الله عنهم, وهو حديث مشهور في المسانيد‏ وقال الإمام أحمد‏...‏ عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه مر علي قوم وهم وقوف علي دواب لهم ورواحل‏,‏ فقال لهم‏‏ اركبوها سالمة‏,‏ ودعوها سالمة‏,‏ ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق‏,‏ فرب مركوبة خير من راكبها‏,‏ وأكثر ذكرا لله تعالى )

"وإنه لمشهد كوني فريد‏,‏ حين يتصور القلب كل حصاة وكل حجر‏,‏ كل حبة وكل ورقة‏,‏ كل زهرة وكل ثمرة‏,‏ وكل نبتة وكل شجرة‏,‏ كل حشرة وكل زاحفة‏,‏ كل حيوان وكل إنسان‏,‏ كل دابة علي الأرض وكل سابحة في الماء أو الهواء‏..‏ ومعها سكان السماء‏...‏ كلها تسبح الله وتتوجه إليه في علاه" من تفسير الظلال لسيد قطب

✿✿✿✿✿

تأملت الورقة..راقني أثر النقطة التي فاض حبرها, كما راقتني تلك الأشياء التي يحسبها البعض بسيطة أو مجرد  ترهات, لكنها بالنسبة لي كانت مهمة و غيرت بالفعل مجرى الحياة.

*****
قال تبارك وتعالى :
"إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ* وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَر" القمر 49- 50
*****


الاثنين، 7 نوفمبر، 2011

يا أبتِ افعل ما تُؤمر



تجمعت العائلة في الباحة الأمامية للمنزل لتشهد مراسم الذبح. كان الطقس جميلا للغاية، السماء زرقاء صافية، الجو رطب والشمس تُلقي بأشعتها الخريفية اللطيفة مداعبة الوجوه وباعثة الدفء في القلوب. فكأن الطبيعة تزينت واخضرت لتشارك المسلمين فرحتهم بعيد الأضحى العظيم. تقدم رؤوف وقد حدّ شفرته، ثم انحنى على الكبش وبحركة سريعة ذبحه فكانت المفاجأة.. لم أكن أطيق ذاك المنظر ولولا ثواب رؤية القطرات الأولى من الدم لما تقدمتُ أكثر..

وعنْ عائِشةَ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عمَلاً أحَبَّ إلى اللهِ - عز وجل - مِنْ هراقةِ دَمٍ، وإنَّهُ ليَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ بِقُرُونِها وأظْلافِها وأشْعارِها، وإنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِن اللهِ - عز وجل - بِمَكانٍ قَبْلَ أنْ يَقَعَ على الأرْضِ، فَطِيبُوا بِها نَفْسًا))؛ الترمذي وابن ماجه.

كان المشهد رهيبا.. رفع الكبش رأسه عن الأرض واستوى جالسا في حين كان الدم ينهمر من رقبته شلالا متدفقا.. لم يكن وجهه يوحي بأي شيء، كأنه سليم معافى يرعى العشب! وماهي إلا لحظات حتى أغمض عينيه وخرّ على الأرض وقد فُكّ وثاقه. ثم بدأ يُصدر ذاك الصوت .. نوع من الشخير ورعشة اهتز لها جسمه ... وبعد لحظات سكن كل شيء ومات.

كنت أحمل ابنة أختي ذات العامين، فأشارت بإصبعها الصغير إلى الضحية وهمست : "أُخ ماء" ورغم هيبة المشهد لم أتمالك نفسي من الضحك .. بل هي الدماء .. فسبحان الذي سخر لنا هذا من غير حول لنا ولا قوة...

"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً " الإسراء 70.

سبحان العلي الكريم الذي فدى عبده إسماعيل بذبح عظيم ويا لها من سُنة طيبة وعطاء جسيم، أن نسير على خُطى إبراهيم الخليل في إنابته واستقامته وخُلقه العظيم. فهذا ابنه إسماعيل وفلذة كبده، رزقه الله إياه على الكبر ثم أمره بتركه وأمه عند واد غير ذي زرع ومرت السنين الطوال، "فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ" الصافات 102.

فيا للانصياع التام لأوامر الله والتسليم، ويا لبر الولد بأبيه وتوكله وصبره على البلاء العظيم وسبحان الرحمان الرحيم .. يا له من امتحان نجح فيه الخليل ليكون أُسوة للعالمين فأين أنتم من هذا يا مسلمين؟

الله لم يأمرنا بذبح أبنائنا بل فقط أمرنا بالصلاة والزكاة ومكارم الأخلاق، أمرك يا أختي بالحجاب، أمرك أخي بغض البصر، بإكرام الضيف وبالإنفاق، أمرنا ببر الوالدين والإحسان إلى الجار، أمور كلها هينة لينة فلم التخاذل والاستهتار؟ لماذا نتجرأ على محارم الجبار ونطأطئ رؤوسنا لشهواتنا ونركن للذل والانكسار ؟

 لقد شرع لنا ربنا هذا العيد العظيم ليذكرنا بتسليم الخليل وتوكله وصبر إسماعيل وتبتُله وماهو الإسلام إن لم يكن التسليم بأمر العزيز الجليل الذي ما خلقنا إلا لنعبده، وماهي الأضحية إن لم تكن قربانا إلى الله نعلن به إذعاننا وندخل به السرور على أهلنا وأحبابنا ونطعم منها الفقراء والمساكين ونقوم بحق الضيف وكلنا يقين .. بأن أمر الله لا يُرد ومسكين من أعرض عنه مسكين ..

"وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا" الأحزاب 36.

الحمد لله على نعمة العيد أعاده الله علينا باليمن والخير والبركة

قال تعالى : "وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ" (الحج: 36، 37)