الأحد، 31 يوليو، 2011

... رجال


قالت : أردته ملتزما ، لكنك نسيت أن تتمنيه قبل ذلك رجلا ..
أجابت : أنت على صواب ... لكني لم أشأ أن أفتح ذلك الباب، فقد أتلقى الكثير من العتاب ...
ـ تعمدت طرح هذا الموضوع ، فقد صرنا نرى في زمننا هذا العجب العُجاب...
ـ نعم، هذا صحيح ... أخبرتك أنه باب كثير الريح ...
أحيانا أنظر إلى بعض الرجال، و كيف وصلت بهم الحال ... أبكي حين أتذكر أجدادنا الذين جرى الإسلام في عروقهم فشدوا من أجل نصرته الرحال ، و ضحوا في سبيله بالنفس و الأهل و المال ...
أنظر إلى الديوث و تقصيره، و أتساءل عن طبعه و تفكيره .. أين غيرته ؟ و لِمن وكّل عرضه و سيرته ؟

قال النبي صلى الله عليه وسلم : "ثلاثة لا ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث". حديث صحيح 
 
أنظر إلى بعض الشباب في المقاهي ، غفلة، سباب و ملاهي

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: "فَأَمَّا إِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجْلِسَ, فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلامِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ. حديث صحيح

صارت الميوعة بينهم و بين النساء مشروعة ...
بات اللغو و المزاح أمرا مباحا ... كثر السلام و الكلام دون تفكير في الحلال و الحرام 
ضاع بعضهم في متاهة التفاهة ، و انتشرت بينهم الغيبة و السفاهة

  وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا (سورة الحجرات  الْآيَةَ12)
 
ندُرت الهمم العالية، فصرت أرى أجسادا و عقولا واهية كالخرق البالية ...
لا تقوى على رفع راية و لا تجيد ترتيل آية ...
ضاعت الأمانات و صاروا يتباهون بالنزوات و الخيانات ...
لا يتنافسون في كسب الحسنات،  لم يعد بعضهم يخجل من تراكم السيئات،  بل و الأمرّ من ذلك قد يتفانى في فعل الموبقات.

قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ" حديث صحيح
 
ـ إلا من رحم ربي ...
ـ نعم ... إلا من رحم ربي ! و هم كثر ...  أو نادرون مثل الدرر ؟
مازلت أرى الشهامة و الرجولة ... مازالت الغيرة و العروبة  
    مازالت العزة و الكرامة و الحياء ، و ستبقى مادام الإسلام يجري في الدماء

قال رسول  الله صلى الله عليه وسلم: (لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لاَ
 يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ) متفق عليه

الخميس، 28 يوليو، 2011

ضيف على الأبواب


 

صف طويل ,
الكل ينتظر دوره لدفع الحساب.

هناك من تذكر بعض المشتريات فهرول لإضافتها لسلته موصيا ابنته أو زوجته أن تحرس مكانه في ذلك الصف الطويل و هناك من انشغل بعدّ أغراض لم تكن متوفرة في المغازة.

فلان يتحدث مع جاره عن غلاء الأسعار ,و فلانة تتباهى بأصناف الأكل التي تمهر في تحضيرها في رمضان ..


إذن هو رمضان ! 

سبب ذلك الإزدحام كان قرب حلول شهر الصيام, شهر القيام وترتيل القرآن. فمرحبا بك يا شهر العتق من النيران.

*****
قال الله تعالى:  
{ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } سورة البقرة (185)

*****

تسمع تذمرا أحيانا سببه الملل من طول الانتظار, تسمع قهقهات و حكايات عن فلان و فلانة, تسمع رغما عنك ترهات و أحيانا تشكيات..
أهكذا نستقبلك يا شهر الصدقات  و الإحسان ؟

*****
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:
  "الصيام جُنَّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم "   (رواه البخاري و مسلم)
وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :" ليس الصيام عن الطعام والشراب وإنما الصيام من اللغو والرفث" (خرَّجه البيهقي)
*****

عربات مليئة بالخيرات , أدامها الله نعمة على الناس في كل البلاد , لكن هناك مبالغة لا شك عند شراء بعض الحاجيات, و الخوف أن تؤدي المبالغة  إلى التبذير , و ربما يجدر تسميته تقصيرا !

إلى متى نقصر في حقك يا رمضان و لا نعد لك سوى الأطباق المنمقة و المشروبات المنوعة ؟

رمضان هو شهر الصيام، شهر العبادة و القرآن،  فلم يهتم بعض الناس بساعات الإفطار أكثر من اهتمامهم بسويعات الصيام ؟ لم نستعد للإمساك بكثرة المأكولات ؟

أيا ضيفا آت ماذا أعددنا لك ؟ و يا أجرا وافرا في ما ضيعناك ؟

نغفل عن شعبان, فيمر مرور الكرام.  نهتم بتنظيف المنزل وإعداده للسهرات، نهتم بتسجيل أوقات المسلسلات والبرامج والمنوعات، نهتم بأشياء كثيرة... وننسى العناية بالعبادات 


*****
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا كان أول ليلة من رمضان صُفِّدت الشياطين ومردة الجن، وغُلقِّت أبواب النار فلم يُفتح منها باب، وفُتحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها باب، ويُنادي منادٍ يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة " (أخرجه الترمذي  وابن ماجة)
*****

نظرت إلى سلة امرأة كانت حذوي، تخيلتها مليئة بالحسنات، وفي قعرها مغفرة من كل الذنوب والسيئات, ما آت منها وما قد فات,

لو تخيلنا عدد أنواع المأكولات بعدد الصلوات (فروض، نوافل ، تراويح، قيام) وعدد الفيتامينات يقابله حساب الكنوز من الأجر والحسنات، وعدد السعرات الحرارية بعدد تسارعنا لفعل الخيرات من رفق مع هذا ومساعدة لذاك، من طيب قلب وتصدق ولو ببضع إبتسامات.

تخيلت وتخيلت فما وجدتها صعبة أن نحول مجموعة المشتريات من كم مأكولات إلى أضعاف من الأجور الثابتات..

وعدد المقبلات؟ ومختلف المشروبات ؟ تلك سنتركها للهمم العالية وأصحاب الاجتهادات.


ثلاثون دقيقة مضت على وقوفي في نفس المكان دون حراك، لأن الكل يجهز لاستقبال الأيام الثلاثين الآتيات، ثلاثون يوما لو نستعين خلالها بالصبر والثبات، وننبذ عنا حب تلك الشهوات، سندرك الجمال في هذا الشهر الفاضل ونبلغ أعلى الدرجات.

صف طويل في المغازة، و ستكون صفوفا أطول بإذن الله أثناء العبادة و القلوب متلهفة لاستجابة الله و الفوز بجناته الخلابة.

فيا ربي بلغنا رمضان و اجعل صيامنا فيه صيام الصائمين و قيامنا فيِهِ قِيام القائمين، وَ نبهنا فيه عن نومة الغافلين وَاعف عنّا يا أرحم الراحمين, و استجب فيه لدعائنا يا أكرم الأكرمين...


*****
عن عبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنه – ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :  "أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه ويُباهي بكم ملائكته فأروا الله من أنفسكم خيراً  فإن الشقي من حُرِمَ فيه رحمة الله "    (مجمع الزوائد للهيثمي، وقال رواه الطبراني)
*****


"رمضان إقترب و الجنة تزينت لمن اجتهد".. فمن سيحرص على أن لا يسبقه إليها أحد ؟

الاثنين، 25 يوليو، 2011

ما أنا بقارئ




استمرت المكالمة ساعة كاملة، كانت المناسبة عيد ميلاد صديقتي وفي الحقيقة  لم تكن سوى فرصة لأتشجع على رفع السماعة و السؤال عن أحوالها. هي من أوفى صديقاتي، عرفتها في المدرسة و توطدت علاقتنا في المعهد ثم باعدت بيننا المسافات حيث اضطرت  للعودة مع عائلتها إلى بلدتهم الأصلية في الساحل التونسي...


كنت سأقفل الخط ثم تذكرت أمرا في غاية الأهمية فسألتها:

-    بالمناسبة أمازلت محافظة على الصلاة؟
-    نعم طبعا
-   الحمد لله، حسن عزيزتي أرجو أن تتخذي خطوة أخرى هامة وهي لبس الحجاب. فليس لك عذرفي تركه لا سيما اليوم...
-   نعم بودي ذلك فعلا، أرجو من الله الهداية.
-    إذا كنت تريدين ذلك حقا فادعي الله أن يعينك على أخذ القرار. أوصيك أيضا بكثرة الاستغفار، تعلمين لم؟
-    ...
-  اقرئي سورة "نوح" ستفهمين قصدي. هي سورة قصيرة في أواخر القرآن، طولها صفحة و نصف تقريبا.
-   لا أعرفها.. في الحقيقة أنا لا أقرأ القرآن..
-   ماذا؟ أتعنين أنك لم تقرئيه كاملا و لو مرة واحدة في حياتك؟
-   نعم، هو ذاك..
و من هول الصدمة سألتها سؤالا أحمق: ولا حتى في رمضان؟

ضحكت و بنبرة معتذرة قالت : لا.. فأنا لا أفهم القرآن عند قراءته..

  -  لا بأس عزيزتي، ابدئي بالقراءة منذ اليوم، لا بد أن تقرئي القرآن كاملا، لن تفهمي كل شيء لكنك ستفهمين الكثير، خذي وقتك ثم إنه بإمكانك مراجعة التفاسير.. لا يعقل أن تكوني في ربيعك التاسع و العشرين و أنت لا تعرفين كتاب الله..

-   نعم.. سأحاول إن شاء الله، بارك الله فيك
-   تعلمين أني أقول هذا لأني أحبك ...

أقفلتُ الخط و شعرت بارتياح مشوب بحسرة. ارتحت لأن صديقتي العزيزة الوفية تأثرت كثيرا بمكالمتي فقد أدخلتُ السرور على قلبها و نجحتُ في إضحاكها مرات عديدة و لكن من جهة أخرى حز في نفسي أنها لم تعط كتاب الله حقه خاصة و أنها متفرغة تماما فهي لا تزال في البيت تنتظرعملا، فكيف لم يخطر ببالها أن تُؤثث أوقاتها بذكر الله  والتعرف عليه من خلال كتابه؟ أليس القرآن هو كلام الله؟ فكيف نغفل عنه؟ لماذا لا نتذكر القرآن إلا في الجنائز؟ لماذا اقترن ذكره في نفوسنا بالمآتم و في أحسن الأحوال ننفض عنه الغبار في رمضان و كأنه حكر على هذا الشهر الكريم. أنسينا قوله تعالى :

 "وَمَنْ أعرَضَ عن ذكري فإنَّ له معيشةً ضنكًا و نحشُرُهُ يومَ القِيَامةِ أعمى" (طه:124)

والإعراض هنا كما قال المفسرون يعني الإعراض عن تلاوة القرآن و العمل به و اتباعه، فكيف نتبع القرآن إن كنا لا نتلوه و لا نعرف شيئا عن موضع آيات الحجاب مثلا أو أحكام الصلاة و الوضوء و الصيام و كل العبادات ثم المعاملات؟ كيف لنا أن نستغني عن منبع الوحي و نعرض أنفسنا لأشباه المتعلمين و نسمع لهم بل و تعجبنا أحكامهم؟ ثم ألسنا فقراء مساكين ضعفاء، نصيب من الذنوب كل يوم ما الله به عليم ؟ فكيف نستغني إذا عن الثواب العظيم لقراءة القرآن الكريم؟ كيف لا نأنس به و نطرد به همومنا و غمومنا و ننسى أحزاننا فمن أراد أن يكلم الله فعليه  بالدعاء  ومن أراد أن يكلمه الله فعليه بقراءة القرآن.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال، سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: " من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة و الحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف و لام حرف وميم حرف ". رواه الترميذي بسند صحيح.

فتخيلوا معي آلاف الحسنات التي نحن بصدد التفريط فيها كل يوم بينما نحن في أمس الحاجة إليها.

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:  " ما أصاب عبدا هم ولا حزن فقال : اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماضِ في حكمك ، عدل في قضاؤك أسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ، ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي " . إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدله مكانه فرحا"

انظروا لهذا الجمال، متى نجعل القرآن ربيع قلوبنا و نور صدورنا؟ متى نخصص له دقائق معدودة من ساعات يومنا الطويلة؟...

كان الرسول صلى الله عليه و سلم يتعبد في غار حراء و يتأمل في خلق السماوات و الأرض قبل أن يبعثه الله رحمة للعالمين، فأتاه جبريل عليه السلام وقال له : اقرأ.. فقال له سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: ما أنا بقارئ. فأخذه جبريل فضمه ضمًّا شديدًا ثم أرسله وقال له: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. فأخذه جبريل ثانية وضمه إليه ضمًّا شديدًا، وقال له: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. قال له جبريل:

"اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم" (العلق:1-5)

كانت هذه بداية الرسالة، كانت بداية قوية حتى أن حبيبنا محمدا عليه الصلاة و السلام خشي على نفسه. ولكن تأملوا إلى قوله: ما أنا بقارئ، أقالها عنادا و استكبارا؟ حاشاه بل قالها كرها و اضطرارا فهو لم يكن يقرأ و لا يكتب لكنه معلم البشرية و إمام المرسلين و خير خلق الله أجمعين.

" وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ" (العنكبوت 48)

 رسولنا الكريم عليه الصلاة و السلام، كان له عذر بل شرف في عدم القراءة أما نحن فما عذرنا؟ ربنا يقول لنا في كل يوم و في كل لحظة اقرأ و كثير منا  يجيبه "ما أنا بقارئ" استكبارا و إعراضا و جهلا و تكاسلا. ما نحن بقارئين فنحن باللغو مشغولون و للمسلسلات متابعون و على أنغام الموسيقى متراقصون و في أحلام اليقظة غارقون فلا نقرأ كتاب الله و لا نقرأ سيرة رسول الله و لا أخبار الصحابة و التابعين و لا أحكام الفقه و الشريعة و لا أي علم نافع. أمة اقرأ لا تقرأ إلا من رحم ربي ...

رمضان على الأبواب فلنطرح الكسل جانبا و لندر ظهرنا للملهيات و لنعرض عن القنوات   ولنتجه لرب الأرض و السماوات و لنرفع أيدينا بالدعوات : اللهم ردنا لدينك ردا جميلا اللهم افتح لنا فتحا مبينا، اللهم أعنا على أنفسنا، أعنا على ذكرك و شكرك و حسن عبادتك، اللهم يا ذا الجلال و الإكرام أعنا على المحافظة على ورد يومي من القرآن استعدادا لمزيد من العبادة في رمضان، اللهم بلغنا رمضان و اجعلنا من أهل القرآن يا حنان يا منان ...

يَا رَبِّ أَكْرِمْ مَـنْ يَعيـشُ حَيَاتَـهُ
لِكِتَابِـكَ الوَضَّـاءِ لا يَتَـوَانـى

يَا مُنْزِلَ الوَحْـيِ الْمُبِيـنِ تَفَضُّـلاً
نَدْعُوكَ فَاقْبَلْ يَـا كَرِيـمُ دُعَانـا

اجْعِلْ كِتَابَـكَ بَيْنَنَـا نُـوراً لنـا
أَصْلِحْ بِهِ مَـا سَـاءَ مِـنْ دُنْيَانـا

واحْفَظْ بِهِ الأوطانَ، واجمعْ شملَنـا
فَالشَّمْلُ مُـزِّقَ، وَالْهَـوَى أَعْيَانـا

وانصُرْ بِهِ قَوْمـاً تَسِيـلُ دِمَاؤهُـمْ
فِي القُدْسِ.. في بَغْدادَ.. في لُبْنَانـا

مصطفى الجزار


السبت، 23 يوليو، 2011

و لو كنت فظا



جاءتها صديقتها تشتكي إليها : سئمت هؤلاء الّذين يدعون التدين و يتدخّلون في شؤون الناس بأسلوب شنيع
أجابتها مستغربة : عمّن تتحدثين ؟ أرجو أن لا أكون منهم
ـ اليوم كنت في سيّارة الأجرة، و كانت هناك فتاة ترتدي قميصا قصيرا، ما إن انحنت لتنزل حتّى بان أسفل ظهرها، صحيح أنّ الأمر كان محرجا و مزعجا للغاية ، لكنّه لا يبرّر ردة فعل تلك المرأة ..
ـ من تقصدين ؟
ـ كانت هناك امرأة محجّبة نزلت معها في نفس المحطّة ،  بمجرّد ان أغلقت الباب صاحت في وجهها أمام بقيّة الرّكّاب : "ألا تخجلين؟ أستري نفسك!  أين حياؤك؟" نظرت إليها بغضب لكنّها لم تجبها و مضت في سبيلها ..
جميع من كان في السيّارة انزعجوا في بادئ الأمر من ذلك المشهد مثلما فعلت ، لكن سرعان ما انقلب غضبهم ضدّ هذه المرأة المحجّبة لا معها .

"وَلَوْ كُنْت فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك " [آل عمران:159

الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر أمر ضروريّ يُراد به الخير لهذه الأمّة بإرشاد أفرادها و تعاونهم بالدعوة إلى كلّ مافيهِ صلاح و إنكار كلّ مافيهِ باطل

يقول تعالى :" كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ " [آل عمران:110

وعن حذيفة عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: " والّذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر أو ليوشكنّ اللّه عزّ وجلّ أن يبعث عليكم عذابا من عنده ثم تدعونه فلا يستجاب لكم " رواه الترمذي وحسنه .

و المسلم الفطن من يتقن هذا الفنّ، فيتصيّد الفرصة المناسبة كي ينصح أخاه بأدب و لطف، دون أن يجرحه أو يهينه. فالهدف من النّصح ليس إقامة الحجّة عليه و إنّما إرادة الخير له ، و لا يكون ذلك إلا بمراعاته و احترامه .
 فهذه المرأة لم تكتف بإحراج تلك الفتاة، بل و أهانتها و قد تكون بذلك قد نفّرتها نفورا تامّا من كل ما يمت للحجاب  بصلة ..
إن المرء ليجد صعوبة أحيانا في تقبل تعليق أو نصيحة من صديق مقرب، فكيف إذا ما كان مأتاه شخص غريب في مكان عمومي و بأسلوب منفّر ؟

 تَغَمَّدَني بنُصْحكَ في انفرادِي وجَنِّبْنِي النصيحةَ فِي الجَمَاعةْ،
فإنَّ النُّصْحَ بَين الناسِ نوعٌ من التَّوْبيخ لا أَرْضَى استِمَاعَه
(الإمام الشّافعي)  

 يقول صلّى اللّه عليه و سلّم :" حُرِّم على النار : كل هيّن ليّن سهل ، قريب من النّاس " صحّحه الألباني
 
تلك حادثة مادامت إلا بضع دقائق , لكن لعل تأثيرها يدوم سنينا. لعل الامرلم يكن يحتاج سوى بعض التروي و الحكمة.
و تبقى طريقة التعامل مع الموقف هي سبب الاشكال و مع هذا نرجو ألّا يكون خطأ الأولى في طريقة توجيه النصح مغنيا للثانية عن مضمونه.
جميل أن نحب النصح و الرشاد لمن نراه في ضلال، لكن الأجمل و الأنفع أن نرتقي بالنصيحة كي تبلغ المقصود و نرضي بها المعبود، فما غير رضاه نرتضي و ما بغير هداه نقتدي.

و لعل
أحسن ما قيل في هذا المقام , كلام الإمام السمرقندي في كتاب "تنبيه الغافلين" ( الصفحة 66 )

فالذي يأمر بالمعروف يحتاج إلى خمسة أشياء :
أولها : العلم لأن الجاهل لا يحسن الأمر بالمعروف
و الثاني : أن يُقصد به وجه الله تعالى و إعزاز الدين
و الثالث : الشفقة على من يُؤمر بال
لين و التودد، و لا يكون فظا غليظا ، لأن اللّه تعالى قال لموسى و هارون عليهما الصلاة و السلام حين بعثهما إلى فرعون "فقولا له قولا لينا" [طه:44 
و الرابع: أن يكون صبورا حليما، لأن اللّه تعالى قال في قصة لقمان عليه الصلاة و السلام :" و  أمر بالمعروف و انه عن المنكر و اصبر على ما أصابك" [لقمان:17 
و الخامس : أن يكون عاملا بما يأمر به، لكيلا يعير به و لئلا يدخل تحت قوله تعالى :" أتأمرون الناس بالبر و تنسون أنفسكم"
[البقرة:44 ]

مُر بالمعروف بجمال و انه عن المنكر بجمال فكل شيء في إسلامنا جميل

"ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" [النحل :125


الأحد، 10 يوليو، 2011

إسلامنا الجميل



كيف أخدم ديني؟ ماذا أصنع لنصرة الإسلام؟ أيكفي أن أصلي و أصوم و ألتزم بالحجاب؟ أمن حقي أن أحصن نفسي بالصحبة الصالحة و أترك الآخرين لشأنهم؟ باتت هذه الأسئلة تشغل بالها، لم تعد راضية عن حالها. دينها  يُحارب و يُساء إليه في كل لحظة فكيف ترتاح هي ؟ كيف تسكت عن الحق؟ لا بد لها أن تتحرك، لا بد أن تجد طريقة لنصرة الدين، لإحياء الإسلام في قلوب المسلمين، فالإسلام جميل...
إسلامنا جميل، مشكلة البعض فقط أنهم لا يعلمون مقدار جماله، آه لو عرفوه كما تعرفه هي! لكانوا أحبوه و اعتنقوه بل لدخلوا فيه أفواجا، لو علموا ما في الإسلام من رحمة و لين و عدل و مساواة وحميد أخلاق  لجددوا إيمانهم فكثير منهم مسلمون بالوراثة، لم يتعرفوا بعد على دينهم كما ينبغي ليمروا من درجة الإسلام إلى درجة الإيمان، فهذا ابن العشرين لم يقرئ القرآن و لو مرة واحدة في حياته، و هذه بنت الثلاثين لا تعرف من السنة النبوية إلا لحية أبي لهب في فيلم "الرسالة" و هذا  شيخ الستين لا يعرف أركان الحج حتى و هو قاصد بيت الله...

"
وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ" (يوسف 53)
هي نفسها ترجو أن تكون من عباد الرحمان، الذين مدحهم ربهم في القرآن، في أواخرسورة الفرقان. هي أيضا لا زالت صغيرة، بل لا متناهية الصغر في عالم التقوى و الإيمان، ما زالت تجاهد نفسها للخشوع في الصلاة والتلذذ بها، هي فقيرة ضعيفة مسكينة إلا أن يتغمدها الله برحمة منه، معلوماتها في الدين جد متواضعة لكنها عزمت على البحث و التعلم و المثابرة و نصب عينيها حديث الحبيب المصطفى، بل بشارته عليه الصلاة و السلام:
 مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهُهُ فِي الدِّينِ
 هي ليست وحدها، معها أخواتها الصالحات و هدفهن واحد : نصرة الدين، تبليغ الرسالة، توصيل المعاني و القيم الإسلامية. "إسلامنا الجميل" هي ذكرى عساها تنفع المؤمنين، هي اكتشاف ربما لغير المسلمين، هي تجسيد لحديث الصادق الأمين : بلغوا عني و لو آية، بأبي و أمي يا رسول الله سمعا و طاعة.

إسلامنا جميل، بين طياته الخير و الزاد الكثير. جالت بخاطرها في تلك الروائع التي قرأتها وسمعت عنها، محظوظة هي بنعمة أكرمها الله بها: ذلك الدين الحنيف،  بل كلنا محظوظون: كل المسلمين محظوظون، فقط  لو نجتهد قليلا، لو نتمعن في روائع القصص، لو ندرك رسالة النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم ) ، لو نتفقه في الدين ...

لو؟ و لم التمني؟ ليس للمسلم أن يتمنى،  بل له حق الرجاء من رب مجيب الدعاء، مع حسن التوكل والاجتهاد ... تلك هي أسرار الوصول إلى المراد. كثيرون هم من أدركوا زوايا الجمال  في ديننا و ذاقوا حلاوة الإيمان فما ارتضوا له  بديلا ... من بينهم الصحابي الجليل، ابن عم رسول الله عليه الصلاة و السلام، وأكثر الناس شبها به، جعفر بن أبي طالب أو جعفر الطيار بطل من أبطال غزوة مؤتة، عوضه الله عن ذراعيه اللتين قطعتا في المعركة بجناحين يطير بهما حيث يشاء في الجنة. وقف سيدنا جعفر أمام النجاشي ملك الحبشة و قال كلمته الشهيرة الرائعة : 

"أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف. فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا... "
للأسف كثير من الأمور التي عددها سيدنا جعفر في وصفه لأفعال الجاهلية نجدها اليوم في بلاد المسلمين، و في المقابل نحن متخلفون عن أوامر الإسلام و نواهيه بل و قيمه الرائعة إلا من رحم ربي فالله المستعان... لا بد أن نحمل هم الدين و نأخذ بأيدي الآخرين و نعين بعضنا على فعل الخيرات و تجنب المنكرات،  فإننا لا ندخل الجنة فرادى بل جماعات. من أجل ذلك أنشأنا هذا الفضاء راجين من الله أن يعيننا على تذكير أنفسنا و إياكم بجمال ديننا من خلال قصص و خواطر من الواقع ترتبط دائما بمعنى من معاني الإسلام السامية.

إسلامنا جميل فالحمد لله العزيز الجليل.