الخميس، 3 نوفمبر 2011

... وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى




كانت تمشي وحيدة، تتوقّف أمام واجهات المحلّات، تتأمّل الملابس المعروضة، تتنهّد ثمّ تمضي ... لم يكن لديها المال الكافي كي تبتاع كلّ تلك الأشياء الفاخرة، أنهت دراستها و منذ سنوات و هي عاطلة عن العمل ، لا تستطيع أن تعين عائلتها البسيطة ... واصلت طريقها و هي تفكّر : لو أنّي كنت ثريّة لآشتريت ذاك الفستان .. و تلك الحقيبة الثّمينة ... لكن هيهات ...

يقول الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم: "قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقَنَّعه اللّه بما آتاه" ( رواه مسلم )

و عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ :لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ. ( أخرجه أحمد والبُخاري والترمذي)

قطع حبل أفكارها صوت مألوف يناديها ، التفتت فإذا هي صديقة الطّفولة : رائدة ! يا لها من مفاجأة !
لم تسرّها كثيرا رؤيتها ، لطالما كانت صديقاتهما يفضّلنها عليها ... ابتسمت ببرود و حيّتها ، فاحتضنتها رائدة و سألتها عن أحوالها بكلّ حفاوة :"كيف حالك عزيزتي؟  كم اشتقت إليك ! أرى أنّك لم تتغيّري ! دائما تفكّرين... يا عبقريّة ! "

ابتسمت على مضض، هي تحبّها "رغم كل شيء"، لكن مزاجها لم يكن يسمح لها أن ترد بمثل ذلك اللّين و الدّعابة : أنا بخير ... و أنت ماذا تفعلين هنا؟ 
ـ أتيت لأقتني بعض الحاجيّات، و الملابس ... آه ! كم هي شاقّة تحضيرات الزّفاف ! 
 
أحسّت بضيق يخالج صدرها، و تتالت الأفكار في ذهنها : لِم يحدث هذا لي ؟! لِم تحصل هي على كلّ شيء و أنا لا ! هي جميلة جدّا، ثريّة جدّا، أنيقة، متفوّقة في دراستها، متميّزة في عملها، و الآن ستتزوّج ! 
 
ـ أرى أّنّك متعبة، لن أثقل كاهلك بمشاغلي. سأعودك إن شاء اللّه قريبا و أدعوك و عائلتك لحفل الزّفاف ... سنتحدّث حينها أكثر و ستُعدّين لي قهوتك اللّذيذة . و الآن أستأذنك لأنصرف، والدتي تنتظرني في السّيّارة. السّلام عليكم ! 
همهمت مرتبكة : حسنا، لا بأس ... مبارك عليك الزفاف ... إلى اللقاء ...
واصلت سيرها هائمة ، استرجعت تلك المحادثة القصيرة و سرعان ما تفطّنت لهول ما ... أحسّت ! 
الحسد ! مرض يستفحل في قلب عشّاق الدّنيا فيصعب منه الشّفاء و نار تتأجّج في وجدانهم فتُصيّر عملهم هباء !


قال تعالى : " أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ" ( سورة النّساء، الآية 54 )

قال تعالى : وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (طه 131)


وعن أنس بن مالك رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال :" لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد اللّه إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث " (رواه مسلم)

و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم :" لا يزال النّاس بخير ما لم يتحاسدوا " (رواه الطبراني)
 
يقول الإمام السّمرقندي في كتابه " تنبيه الغافلين" : ليس شيء من الشّرّ أضرّ من الحسد، لأنه يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل إلى المحسود مكروه: 
* أوّلها : غمّ لا ينقطع
* و الثّاني : مصيبة لا يُؤجر عليها
* و الثّالث : مذمّة لا يُحمد بها
* و الّرابع : يسخط عليه الرّبّ  
* و الخامس : تُغلَق عليه أبواب التّوفيق
 
ثم يضيف في نفس الباب : 
 
بارز الحاسد ربّه من خمسة أوجه : 
* أوّلها : قد أبغض كل نعمة قد ظهرت على غيره.
* و الثّاني : سخط لقسمته.
* و الثّالث : أنّه ظن بفضله.
* و الّرابع : خذل وليّ اللّه تعالى لأنّه يريد خذلانه و زوال النعمة عنه.
* و الخامس : أعان عدوّه، يعني إبليس لعنه اللّه .

تنفسّت بهدوء ، و أخذت تستغفر اللّه ، و تدعو لصديقتها و لنفسها : اللّهمّ طهّر قلبي و اشفه من كلّ مرض ، اللّهمّ ارزقني ممّا رزقت رائدة !
 
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:مَنْ يَأْخُذُ مِنْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ ، فَيَعْمَلُ بِهِنَّ ، أَوْ يُعَلِّمُهُنَّ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ ؟ قَالَ : قُلْتُ : أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ : فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّهُنَّ فِيهَا ، ثُمَّ قَالَ : اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا ، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا ، وَلاَ تُكْثِرِ الضَّحِكَ ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ.(أخرجه أحمد والترمذي و غيرهما)




5 تعليقات:

Wael يقول...

شكرا على التذكير :-)

أريد اظافة معلومة بسيطة وهي أن شر الحسد قد يسول للنفس أحيانا قتل النفس (بغير حق)، وخير مثال هي قصة ابني آدم، إذ قدما قربانا فتقبل من احدهما ولم يتقبل من الأخر، فقتل اخاه حسدا ...

وصدق الشاعر حين قال

قل للحسود إذا تنفس طعنة يا ظالما وكأنه مظلوم

Lili يقول...

بارك الله فيك وائل على الإضافة القيمة :)
يسعدنا مرورك :)

Wael يقول...

إضافة* :-p

Houcemeddine يقول...

رائع
شكرا على التذكير
استحضر قولا :

ألا قل لمن بات لي حاسداً = أتدرى إلى من أسأت الأدب ؟!

أ سأت إلى الله في حكمه = كأنك لم ترض لى ما وهب

فكان جزاءك أن زادني = وأغلق دونك باب الطلب

Lili يقول...

مرحبا بك حسام الدين و جازاك الله خيرا على الأبيات الجميلة ^^

إرسال تعليق