الاثنين، 8 أغسطس، 2011

إلا صلاتي ما أصليها




إلا صلاتي ما أصليها... هي حياتي و أنا حر فيها
و ما عدت أصلي فرضي بوقته.. وصيتك يا أبي ناسيها

ركب سيارته و هو يدندن هذه الجمل، كان مزهوا بنفسه و بالطريقة الشيطانية التي غير بها ملامح الأنشودة الأصلية التي تقول:

إلا صلاتي ما أخليها.. هي حياتي و دنيتي فيها
وعدت أصلي فرضي بوقته... وصيتك لا ماني ناسيها

هو أيضا كان يصلي فرائضه في وقتها، بل كان من المبكرين إلى المساجد، تعلق قلبه بها منذ نعومة أظفاره و الفضل في ذلك يعود إلى الله ثم إلى والده. علمه الوضوء و الصلاة و هو في السابعة من عمره تأسيا بسنة الحبيب صلى الله عليه و سلم إذ يعلمنا فيقول : "مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع" رواه أحمد وأبو داود.

نشأ سامر محبا للمساجد، مستأنسا بها، كان ينتظر الصلاة تلو الصلاة، يخفق قلبه لسماع الأذان  و يطير شوقا للقاء الرحمان، كانت الصلاة جنته في الحياة .. فما الذي تغير؟

كبر سامر و لم يعد ذلك الصبي الرصين المطيع، دخل في سن المراهقة و أهدى له والده سيارة إكراما له و تشجيعا له على الحرص في الدراسة و المثابرة. فأحاط به الطماعون من أصحاب السوء و سرعان ما وجد نفسه مقبلا على الدنيا، مفتونا بها. حاول مقاومة التيار في البداية، مازال محافظا على الصلاة لكنه لم يعد يفوز بالصف الأول، ثم أصبحت تفوته أولى الركعات ثم لم يعد يقيم وزنا للصلاة، يجمع الأوقات و يصليها في البيت دون حضور قلب.

أصبح شغله الشاغل نظرة الفتيات و مشاريع السهرات و ما يسمعه من مدح و تعليقات بل الأغاني و المعزوفات حتى صار مذبذبا لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء و انقطع أخيرا عن الصلاة. أنبه ضميره في البداية، كانت بذرة الخير لازالت حية في قلبه لكن أصحاب السوء و وساوس الشيطان إذ يعده و يمنيه بأنه لا زال صغيرا و أمامه الوقت ليتوب و أن الله غفور رحيم.. كل هذا جعله ينساق إلى بحر من الشهوات.

حاول والده تأديبه بحرمانه من السيارة و لكن هيهات فقلب الشاب مات، أجاب والده متهكما: يا أبي لم أعد طفلا صغيرا، أنا اليوم رجل. لو أخذت مني السيارة سأواصل الخروج و السهر مع أصدقائي، هذه حياتي !

كانت أمه تقوم الليل و تبكي، تدعو له بالهداية. يا الله إنها الصلاة عماد الدين، العهد الذي بيننا و بينهم، أول ما يحاسب عليه المرء يوم القيامة. كثيرا ما كانت الأم المسكينة تستحضر الآيات الصارمة في مسألة الصلاة فيرق قلبها إشفاقا على ولدها من غضب الجبار.

قال تعالى : "فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا"  (مريم : 59) وقال سبحانه : "فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون" (الماعون 4 :7) وقال جل شأنه : " مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ "(المدثر42:43)

قال صلى الله عليه وسلم : " بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة " أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.

يا رب يا كريم اهد قلب ابني و رده إليك ردا جميلا

*******

إلا صلاتي ما أصليها... هي حياتي و أنا حر فيها

واصل دندنته مزهوا بشبابه و وسامته، مغترا بسيارته الفارهة و عضلاته المفتولة. انطلق يطوي الأرض طيا و الموسيقى الصاخبة تنبعث من مكبرات الصوت، كان معه ثلة من رفاقه جعلوا يرددون الأغنية مطموسة المعالم و تعالت ضحكاتهم و كثر صخبهم إلى أن...

حدث كل شيء في لحظات... كان سامر يسير بسرعة جنونية عندما فاجأته العجوز التي كانت تقطع الطريق ببطء مما اضطره إلى تحويل وجهة السيارة فوجد الحائط أمامه..


مضت خمس سنوات و مازال يعيش على وقع ذلك الحادث المروع. كانت ليلة مشؤومة تلك التي سخر فيها بشعائر الله فأراه الله آياته. استفاق من غيبوبة دامت شهورا ليجد نفسه شبه مشلول بل و مسؤولا عن وفاة اثنين من أصحابه. كيف له أن يعيش مع هذه الحقيقة البشعة، كيف له أن يسامح نفسه على ما فعل. كان طريق الغفران و الشفاء طويلا، محفوفا بالآلام و الندامة والبكاء. اليوم أصبح معافى تماما بفضل الله و نعمته، عاش ليتوب توبة نصوحا، عاد إلى سالف عهده، لم يعد يسبقه إلى المسجد أحد. ترتعد فرائصه من خشية الله و تذرف عيناه الدمع كلما تذكر حياده عن الصراط المستقيم و استهزائه بالصلاة و هي عماد الدين. كان يظن أنها فقط مجرد دعابة لإضحاك رفاقه، ما علم أن الله يغار على دينه.

"وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزؤُونَ " (التوبة:65)

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُإِنَّ اَلرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً، يَهْوِي بِهَا فِي اَلنَّارِ، أَبَعْدَ مَا بَيْنَ اَلْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.

و" أخذته العزة بالإثم " .. كان فرحه بالذنب و تشدقه بالتخلف عن أوامر الله أشد  من الذنب نفسه..

هذه أهديها لكل من ينتقد الذين ينكرون على الناس إفطارهم المتعمد في رمضان و مجاهرتهم بالفسق و العصيان و يتحدثون عن الصلاة و أنها أولى الأركان بعد التوحيد، فكيف لا نلوم على الناس تقصيرهم فيها ونؤاخذهم بترك الصيام. أجيبهم فأقول من صام رمضان و ترك الصلاة فهو حتما مذنب و مخطئ و آثم وسيُحاسب حسابا عسيرا لتركه الصلاة و هذا من أكبر الكبائر.. و من لم يصم رمضان فإن قلبه ميت تماما و هو يتحدى الرحمان...  أما من أفطر في رمضان وجاهر بفطره فسيأخذه الله أخذ عزيز مقتدر. الفرق بين هؤلاء الثلاثة بين وجلي ولا فائدة في أن نكذب على أنفسنا و نسوي بين الفاسق و الأكثر فسوقا.. بين الذي يعصي الله بحياء و الذي يعصيه بمنتهى الاستهزاء.. هم أناس تنطبق عليهم الآية الكريمة:

" وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ " (الزمر:67)

لو كان لك ولد يعصيك و لا يبرك أكنت تفضل أن يعصيك  سرا في البيت أم جهرا أمام أعين الناس؟ و لله المثل الأعلى.

"ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ" (الحج:32)

اللهم اجعلنا منهم ..اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء فينا..


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل أمتي معافى إلا المجاهرون" أخرجه البخاري.

7 تعليقات:

Abir Abid يقول...

جازاك الله خيراعلى التذكرة ...

Al karawen يقول...

جرت العادة في مثل هذا القصص أن يموت سامر شر موتة، أي مرفوسا أو معجونا فيضل القارئ ملوما محسورا وتكون له العبرة أن يسرع بالعمل الصالح قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم، ولذلك نشكر الكاتب على سعة صدره أو إن شئت طيبة قلبه وأنه لم يشأ مثل تلك النهاية المأساوية لشخصيته فسبقت رحمة الله عذابه وذلك الأصل.

نسأل الله أن يهدينا وإياكم ونرجو حسن الخاتمة وبارك الله فيكم.

Primavera يقول...

@ عبير

و أنت من أهل الجزاء، بارك الله فيك :)



@ الكروان

بل أردته أن يعيش ليعذب بموت أصحابه ويتوب ..

هي رحمة الله الواسعة، الهدف ليس التخويف والقنوط بل حال المؤمن ينبغي أن تكون بين الخوف و الرجاء...

اللهم آمين بارك الله فيك أخي :)

MMH يقول...

السلام عليكم
جزاك الله خيراً على هاته التذكرة؛ دائماً سباقة للخير !!

هل حذيا المدونت موجودة في مدونة تونس ؟

Primavera يقول...

و عليكم السلام ورحمة الله وبركاته

وخيرا جزاك، أرجو أن أكون كذلك، بارك الله فيك

تقصد tn-blogs.com ? نعم :)

laaziz يقول...

-" و الفضل في ذلك يعود إلى والده" أرى أن تضيفي "بعد الله تعالى".
- أرى أن الحديث "كل أمتي معافى إلا المجاهرون" مناسب في خاتمة القصة.
بارك الله فيك و في اخواتك، مدونة ممتازة.

Primavera يقول...

السلام عليكم

خطر في بالي ذلك عند كتابة المقال كما أن ليلى نبهتني إلا أنه بدا لي أن الفضل لله بصفة بديهية لا داعي لذكرها

يبدو أني مخطئة فكما قالت ليلى البديهي عندي ليس بديهيا عند الآخرين

بارك الله فيك على الملاحظات القيمة

تسرنا متابعتك :)

إرسال تعليق