السبت، 23 يوليو، 2011

و لو كنت فظا



جاءتها صديقتها تشتكي إليها : سئمت هؤلاء الّذين يدعون التدين و يتدخّلون في شؤون الناس بأسلوب شنيع
أجابتها مستغربة : عمّن تتحدثين ؟ أرجو أن لا أكون منهم
ـ اليوم كنت في سيّارة الأجرة، و كانت هناك فتاة ترتدي قميصا قصيرا، ما إن انحنت لتنزل حتّى بان أسفل ظهرها، صحيح أنّ الأمر كان محرجا و مزعجا للغاية ، لكنّه لا يبرّر ردة فعل تلك المرأة ..
ـ من تقصدين ؟
ـ كانت هناك امرأة محجّبة نزلت معها في نفس المحطّة ،  بمجرّد ان أغلقت الباب صاحت في وجهها أمام بقيّة الرّكّاب : "ألا تخجلين؟ أستري نفسك!  أين حياؤك؟" نظرت إليها بغضب لكنّها لم تجبها و مضت في سبيلها ..
جميع من كان في السيّارة انزعجوا في بادئ الأمر من ذلك المشهد مثلما فعلت ، لكن سرعان ما انقلب غضبهم ضدّ هذه المرأة المحجّبة لا معها .

"وَلَوْ كُنْت فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك " [آل عمران:159

الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر أمر ضروريّ يُراد به الخير لهذه الأمّة بإرشاد أفرادها و تعاونهم بالدعوة إلى كلّ مافيهِ صلاح و إنكار كلّ مافيهِ باطل

يقول تعالى :" كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ " [آل عمران:110

وعن حذيفة عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: " والّذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر أو ليوشكنّ اللّه عزّ وجلّ أن يبعث عليكم عذابا من عنده ثم تدعونه فلا يستجاب لكم " رواه الترمذي وحسنه .

و المسلم الفطن من يتقن هذا الفنّ، فيتصيّد الفرصة المناسبة كي ينصح أخاه بأدب و لطف، دون أن يجرحه أو يهينه. فالهدف من النّصح ليس إقامة الحجّة عليه و إنّما إرادة الخير له ، و لا يكون ذلك إلا بمراعاته و احترامه .
 فهذه المرأة لم تكتف بإحراج تلك الفتاة، بل و أهانتها و قد تكون بذلك قد نفّرتها نفورا تامّا من كل ما يمت للحجاب  بصلة ..
إن المرء ليجد صعوبة أحيانا في تقبل تعليق أو نصيحة من صديق مقرب، فكيف إذا ما كان مأتاه شخص غريب في مكان عمومي و بأسلوب منفّر ؟

 تَغَمَّدَني بنُصْحكَ في انفرادِي وجَنِّبْنِي النصيحةَ فِي الجَمَاعةْ،
فإنَّ النُّصْحَ بَين الناسِ نوعٌ من التَّوْبيخ لا أَرْضَى استِمَاعَه
(الإمام الشّافعي)  

 يقول صلّى اللّه عليه و سلّم :" حُرِّم على النار : كل هيّن ليّن سهل ، قريب من النّاس " صحّحه الألباني
 
تلك حادثة مادامت إلا بضع دقائق , لكن لعل تأثيرها يدوم سنينا. لعل الامرلم يكن يحتاج سوى بعض التروي و الحكمة.
و تبقى طريقة التعامل مع الموقف هي سبب الاشكال و مع هذا نرجو ألّا يكون خطأ الأولى في طريقة توجيه النصح مغنيا للثانية عن مضمونه.
جميل أن نحب النصح و الرشاد لمن نراه في ضلال، لكن الأجمل و الأنفع أن نرتقي بالنصيحة كي تبلغ المقصود و نرضي بها المعبود، فما غير رضاه نرتضي و ما بغير هداه نقتدي.

و لعل
أحسن ما قيل في هذا المقام , كلام الإمام السمرقندي في كتاب "تنبيه الغافلين" ( الصفحة 66 )

فالذي يأمر بالمعروف يحتاج إلى خمسة أشياء :
أولها : العلم لأن الجاهل لا يحسن الأمر بالمعروف
و الثاني : أن يُقصد به وجه الله تعالى و إعزاز الدين
و الثالث : الشفقة على من يُؤمر بال
لين و التودد، و لا يكون فظا غليظا ، لأن اللّه تعالى قال لموسى و هارون عليهما الصلاة و السلام حين بعثهما إلى فرعون "فقولا له قولا لينا" [طه:44 
و الرابع: أن يكون صبورا حليما، لأن اللّه تعالى قال في قصة لقمان عليه الصلاة و السلام :" و  أمر بالمعروف و انه عن المنكر و اصبر على ما أصابك" [لقمان:17 
و الخامس : أن يكون عاملا بما يأمر به، لكيلا يعير به و لئلا يدخل تحت قوله تعالى :" أتأمرون الناس بالبر و تنسون أنفسكم"
[البقرة:44 ]

مُر بالمعروف بجمال و انه عن المنكر بجمال فكل شيء في إسلامنا جميل

"ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" [النحل :125


2 تعليقات:

غير معرف يقول...

Je suis sur que ce n'est pas Prima qui a écrit ça :p
Un très bon article, good job!

Primavera يقول...

@ anonyme : ah bon ?! et pourquoi ? :p

sinon l'article est signé Lili comme c’est indiqué en bas, bienvenue chez nous :)

إرسال تعليق