الجمعة، 23 سبتمبر، 2011

لقَنتني درسا



كنا نتجاذب أطراف الحديث لنختزل المسافات وطول الطريق، ثم انتبهتُ إلى الوقت. الشمس أوشكت على المغيب ولم أقم بأذكار المساء بعد. فأخبرت صديقتي والحافلة تسير بنا عبر الطريق السيارة أني سأنشغل عنها قليلا بأذكار المساء، حتى يتسنى لي التركيز من ناحية، و من ناحية أخرى علها تنسج على منوالي. ثم تذكرتُ ما تعلمته حديثا من وجوب التلفظ بالأذكار وكذلك الحال عند تلاوة القرآن فلا تُعتبر قراءة كاملة يُنال بها عظيم الثواب وترضي العزيز التواب إلا إذا كانت جهرا، نابعة من القلب و مصدقة باللسان. أخبرت صديقتي بذلك فأجابتني في اندهاش بأنها لم تكن تعلم بوجود هذه القاعدة الذهبية إلا أنها بطبيعتها لا تقرأ القرآن الكريم إلا جهرا لأنها تركز أكثر بهذه الطريقة  وقد حفظت منه الكثير..


صديقتي هذه متزوجة حديثا، تعرفتُ عليها في الحافلة بحكم تنقلنا كل يوم جيئة وذهابا بين بلدتنا الأصلية والعاصمة. وقد رأيت من دماثة أخلاقها وحسن سلوكها والابتسامة التي لا تفارق محياها بل وحبها للدين والحياء ما جعلني أتحسر على عدم التزامها بالحجاب. بل إني شعرت باستياء شديد عندما رأيتها في ملابسها الجديدة التي لا تمت للحجاب بصلة وكنت أتسائل ما الذي يمنعها من الالتزام بالزي الشرعي؟ لماذا تتغير بعض الفتيات بعد الزواج و تصبح عاشقة لمساحيق التجميل و كثرة الزينة أمام الملأ؟؟ ما بال الأزواج لا تحركهم الغيرة ! ألا يخاف الواحد منهم أن يُكتب عند الله ديوثا ؟!

عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه على آله وسلم قال : ثلاثةٌ قد حَرّمَ اللهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - عليهم الجنةَ : مُدْمِنُ الخمر ، والعاقّ ، والدّيّوثُ الذي يُقِرُّ في أَهْلِهِ الخُبْثَ . رواه أحمد والنسائي .

جعلت تحدثني بعفويتها المعهودة كيف كانت تقرأ القرآن وتحفظه، قالت: "عاد أبي من العمرة وجلب معه شرائط مسجلة للقرآن الكريم بصوت القارئ الشيخ عبد الرحمان السديس، فكنت أضع السماعات في أذني و أمسك المصحف بين يدي فلا أزال أستمع له وأقرأ معه وأتابعه حتى حفظت من القرآن الكثير"

-          جميل، تبارك الله ... ماهي السور التي حفظتها مثلا بهذه الطريقة؟
-          سورة البقرة
-          البقرة؟ ما شاء الله، بارك الله فيك ..
-          كان أول يوم في رمضان .. منذ سنوات .. فقررت أن أحفظ تلك السورة هكذا بدا لي.
-          نعم .. ذاك توفيق من الله
-          واظبت على الحفظ كل ليلة فما انقضى الشهرالكريم إلا وقد شاطرتها... فيها آيات صعبة وطويلة لكني والحمد لله، أتمتع بذاكرة جيدة. يكفي أن أسمع الآية ثلاث أو أربع مرات لترسخ في ذهني.
 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تجعلوا  بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة " . رواه مسلم.

 قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: "إن لكل شيء سناماً، وإن سنام القرآن سورة البقرة"

-     لا بد أنك حفظتها منذ زمن طويل، أليس كذلك؟ (كنت أطمع أن تقول لي نعم حفظتها عندما كنت في الثانوية مثلا، فأعزي نفسي بأنها تمكنت من ذلك لأنها صغيرة ومتفرغة للحفظ )
-          لا أبدا بل حفظتها منذ عامين تقريبا ..
-          وهل مازلت تحفظينها عن ظهر قلب إلى اليوم؟
-          نعم الحمد لله، أراجعها من حين لآخر فلا أجد صعوبة في استحضارها
-          وتحفظين جزء عم ؟
-          طبعا، حفظناه منذ الصغر..
-          نعم.. لكننا نسيناه.. أنا نسيت منه الكثير.. ,إلى الآن لا أحفظ جزء عم كاملا ..
قلتها بحسرة وألم شديدين، بل بخجل وذل وانكسار، استحييت من نفسي .. أنهيت أذكاري واستغرقت في أفكاري.. يا للمفاجأة السارة، هاهي ذي رفيقتي في السفر لقنًتني درسا دون أن تشعر.. كم من الوقت أقضي مع كتاب الله يوميا؟ في أحسن الأحوال أتمكن من قراءة الورد اليومي بنصف تركيز ثم ماذا؟ أوفيت القرآن حقه؟ بل أوفيت نفسي حقها وهي في أمس الحاجة إلى الارتواء بكلام ربها والنهل من فيض عطائه وبديع بيانه؟ أم تُراني مستغنية عن عظيم الثواب وسبب البركات؟

هل أنا حقا في غنى عن استزادة الحسنات مع ما أجترح كل يوم من السيئات؟ أين أنا من أجلّ العبادات؟ أين أنا من التفكر والتدبر والتمعن في الآيات؟ أين أنا من بحر التفسير و إبداع التلاوات ؟ إلى متى يا نفس ستظلين مستسلمة للدنيا منساقة إلى دوامة الحياة؟ أنسيت أن غدا الممات ؟ فماذا أعددت له؟ ذرائع واهية واعتذارات؟ ألم تري أولئك الأطفال في أزباكستان، يجهلون العربية ويحفظون القرآن؟ وهم صبيان ! وهذه صديقتي لها خمس سنوات تشتغل وعامان في السفرات اليومية إلى العمل، اشتغلت .. تعبت ..و ما انشغلت، فما أثناها شيء عن حفظ القرآن و لا حتى في رمضان، بارك الله لها و زادها من نعيمه إن شاء الله.

عن عثمان -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " أخرجه البخاري

 ترى ماذا فعلتُ أنا في ذاك العام عندما كانت هي تُحيي القرآن في شهر الصيام؟  

تراءت لي نفسي وأنا أضيعها أمام الحاسوب، أتحدث عن البرامج التلفزية وأُعلق على التفاهات والومضات الإشهارية، يا للتصرفات الكارثية الصبيانية ! سبحانك ربي ما عبدتك حق عبادتك !

هي ليست محجبة لكنها قامت بعمل لا يعلم ثوابه إلا الله وأرجو أن يتقبل الله منها صالح الأعمال ولا تكون من الذين قيل فيهم : "رُب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه"، نسأل الله العفو والعافية. هي ليست محجبة لكن الله وفقها لحفظ سورة البقرة التي تحاج عن صاحبها يوم القيامة. هي تبدو متهاونة متساهلة بأوامر الله لكنها لقنتني درسا لن أنساه بإذن الله. جزاها الله عني خيرا وهدى قلبها للباس التقوى والحياء حتى تكتمل الصورة المشرقة للمسلمة المتحجبة التقية النقية الذكية الورعة.

عن أبي أمامة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه اقرءوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة " . رواه مسلم .

 " وَلَقَدْ أنْزَلْنَا القُرْآنَ للذِكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدكرْ "

هل من مدكر؟ اللهم اجعلنا منهم ..

4 تعليقات:

مرجانة يقول...

جميل جدّا، اللّهُمّ آرزقنا العفة و العافية

منجي باكير يقول...

بارك الله فيك

جمالية في الشكل و المضمون ،،

نستزيدك من ذات المعين !


مدونة الزمن الجميل يسعدها دعوتك إلى جديدها !




~~~~

منجي باكير يقول...

السلام عليكم

تحياتي و شكري لزياراتك الى مدونة الزمن الجميل

أرجو أن أجد تعليقاتك و بصماتك هناك

شكرا

Primavera يقول...

@ مرجانة
اللهم آمين، بارك الله فيك :)

@ منجي باكير
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

مرحبا بك، بارك الله فيك وشكرا على المدونة

إرسال تعليق